مصر بدون الإخوان المسلمين




التيار الوطني أو التيار المدني بمصر الذي يؤاخذ على الإخوان المسلمين النزعة الاستبدادية، والرغبة الجامحة في اكتساح كل المواقع داخل أجهزة الدولة والاستئثار بها دون شراكة حقيقية مع غيره من باقي القوى الديمقراطية، بل وربما حتى دون التيارات التي تتقاسم وإياه نفس المرجعية مثل حزب النور السلفي؛ أقول هذه القوى المدنية ومعها التيار السلفي، وقعت فيما هو أسوأ من استبداد الإخوان، الذين على كل حال لم تسجل تجربتهم القصيرة في الحكم مصادرة للرأي الآخر رغم الشتم الذي كانت تكيله القنوات المصرية للرئيس وتستهزئ به، ولا قتل المخالفين الذين كان بعضهم يرشق القصر الجمهوري بقنينات المولوتوف كما شاهدنا ذلك جميعا على شاشات القنوات.

الذي وقع فيه التيار الوطني ومعه التيار السلفي الذي ساير الموقف السعودي، أن مد يده لاستبداد العسكر، وهو أسوأ أنواع الاستبداد، فالعسكر الذي يستولي على قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني المصري، استغل التغطية السياسية للتيار المدني والتيار السلفي ليطبق أجندته على المجتمع المصري، فكمم الأفواه وأغلق القنوات التي تخالفه الرأي، ولم يترك إلا صوتا واحدا يشيد بمنجزات السيسي.

لكن أخطر ما أقبلت عليه الحكومة الانتقالية الجديدة بمصر أمران:

ـ الأمر الأول: مصادرة حق أكبر جماعة سياسية في البلد في العمل السلمي، وحشرها في زاوية ضيقة من أجل دفعها لأعمال عنف كرد فعل من بعض أعضائها الذين قتل أقاربهم أو ذويهم، والدولة العميقة تدرك استحالة استئصال الجماعة أو حظرها، لأن التجربة السابقة أبانت عن استعصاء الجماعة في وجه كل محاولات الاستئصال، بل وتكيفت مع ظروف الاعتقال ومصادرة الأرزاق والقتل والتشريد منذ ستين سنة، فخرجت من تحت عباءتها جماعات تكفيرية قتالية، لكن الجماعة حافظت على خطها السلمي وبقيت وفية لمبادئها في المشاركة السياسية عبر ما تسمح به قوانين الدولة.

الهدف الواضح من دعوات الحظر التي أعلن عنها مؤخرا هو تأجيل الانتقال الديمقراطي إلى أجل غير مسمى، فالحكومة الانتقالية بقيادة الجيش ستدخل في نفق الصراع مع جزء كبير من مكونات المجتمع بدعوى مصادرة مقرات وأملاك الجماعة وأموالها، ومحاكمات لا تنتهي، وهذا مبرر كافي ـ ستتفهمه القوى الديمقراطية ـ لتأجيل أي انتخابات نزيهة، رئاسية أو برلمانية.

الأمر الثاني: هذا الإسراف في قتل المحتجين السلميين المعتصمين في ميداني النهضة ورابعة العدوية وكذا ميدان رمسيس، هذا القتل الجنوني لآلاف المحتجين السلميين، واعتقال الآلاف وتلفيق تهم حيازة السلاح وقتل الشرطة والمواطنين،في يومين أو ثلاثة، والذي استدعى استنكارا دوليا واسعا، ستكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الأجيال في مصر لعقود تأتي.

الإسلاميون، وخصوصا منهم السلفيون، ما زالوا في بداية الطريق على درب الديمقراطية، وتيار واسع منهم مازال يكفر بها ولا يرى سبيلا للوصول إلى السلطة إلا عن طريق الجهاد، وكانت التجربة الديمقراطية التي عاشتها بعض الدول العربية بعد الربيع الديمقراطي، فرصة تاريخية لإدماج هذه الحركات ذات الشعبية الواسعة في العملية السياسية من بوابة الصناديق والبرامج السياسية والتداول السلمي على السلطة، بدل صناديق الخرطوش والتداول على المعتقلات والسجون.

إن الدفع في اتجاه حظر جماعة الإخوان المسلمين، لا يخدم إلا الأجندة الصهيونية في المنطقة، التي تسعى لإشعال الفتن بين مكونات المجتمع، طائفية أو سياسية أو إثنية، وهي ترى نجاح هذه المخططات في العراق وليبيا وسوريا واليمن، وقبلها في الجزائر والصومال ولبنان، فلم لا تخوض التجربة في أكبر دولة عربية قائدة للتغيير في المنطقة ؟ لكن النار إذا اشتعلت عند الجيران أكلت الجميع، فجوار إسرائيل اليوم مشتعل، ولابد أن تصلها النيران، وهذا قدرها، فهي بالرغم من دهاء زعمائها السياسيين، لم تفقه سنن التاريخ مند معاركها مع الأنبياء.

لكن هذا لا يعفينا نحن من تحمل المسؤولية، وبدل أن نلقي اللوم على أعدائنا، يحسن بنا أن نجرب الحوار ولو لمرة في حياتنا السياسية.