آخر الأخبار

واحة سكورة في مواجهة التغيرات المناخية



بقلم : سليمان رشيد – سكورة .
يلاقي تنظيم مؤتمر الكوب 22 بمراكش من 07 الى 18 نونبر 2016  اهتماما متزايدا من طرف المثقفين و الباحثين و المهتمين بمستقبل الأرض و البيئة و البشرية ككل ’و مثل أية مبادرة بيئية رسمية أخرى تتوجه الأنظار مجددا لما يمكن أن يسفر عنه هذا المؤتمر من توصيات و قرارات ملزمة ’لوقف أو خفض انبعاتاث غاز اوكسيد الكربون و الميثان باعتبارهما المسببان الرئيسيان للاحتباس الحراري و تغير المناخ ’ و بعيدا عن هدير السيارات و مصانع الطاقة و مطامر النفايات و معامل الكيماويات ’و التي تتسبب في حرق مليارات الأطنان من الفحم و النفط و الغاز ’ و ما تخلفه من انبعاتات و تسربات تتفنن في تلويث الهواء و الماء و التراب ’بعيدا جدا عن كل ذلك تواجه واحات الجنوب الشرقي للمغرب وحيدة أثارا مدمرة لتلك التغيرات المناخية ’أثار لم تساهم فيها هاته الواحات و لو بمليغرام واحد بالمليون على سلم التلوث الصناعي ’هي إذن تدفع فاتورة التقدم الصناعي نيابة عن المدن الصناعية الكبرى .

و واحة سكورة الكبرى بإقليم ورزازات هي نموذج فقط ’نسوقه  للحديث عن الآثار و النتائج المدمرة للتغيرات المناخية على الأرض و البيئة و الإنسان ’بهذا الوسط البعيد عن ضجيج المدن الكبرى ’لعلها تجد أذانا صاغية لدى صناع القرار للاهتمام بها و تعويضها عن الأضرار الحاصلة و إيقاف النزيف البيئي المستمر بها .
·       ندرة المياه الجوفية و السطحية :

بواحة سكورة كما بنظيراتها بمجمل واحات الجنوب الشرقي تراجعت جل العيون و السواقي لمستويات دنيا لم تبلغها من قبل أبدا ، فبعضها لم تحافظ سوى على عشرة بالمائة من صبيبها السابق ’ و انقرضت سواقي يعود تاريخ جريانها لأكثر من قرن من الزمن ’ واندثرت حوالي 38 من الخطارات الكبرى المعروفة بالكامل و لم يعد بارزا منها سوى النذر القليل ’و تحولت منابعها المسماة "بالمدور" إلى مكبات عشوائية للنفايات ، بعدما كانت تشكل بحيرات صغيرة تضج بالحياة و تعيش بها أنواع كثيرة من الأسماك و الضفادع و حشرات مائية عديدة ’كانت الى وقت قريب مزارا لتلامذة و طلاب علوم الاحياء للتعرف على أهم الأحياء بها ’ هذه الوضعية الجديدة خلخلت كثيرا النظام العام لسقي الأراضي الزراعية بالواحة ، بحيث لم يعد ممكنا الاعتماد على السواقي لري الأراضي ، و لم يعد نظام "اكوك" صالحا لشيء أبدا ’ بل أصبح لزاما على الفلاحين التوفر على أبار و مضخات كهربائية أو غازية خاصة لتحقيق الاكتفاء ، و من لم تتوفر لديه الإمكانات لذلك يلجأ لكراء حصص من الماء بأثمنة غالبا لا تكون في متناوله ، و هو ما يعني أعباء إضافية تثقل كاهل الفلاح الواحي ، هذا الوضع أفرز فئة من الفلاحين غير قادرة على مسايرة تطور الاستثمار الفلاحي ما تلبث أن تبيع ممتلكاتها الفلاحية و تهاجر نحو المدينة ، و النتيجة المحتومة هي فقدان الواحة ليدها العاملة الفلاحية المتخصصة لصالح المدينة و تراجع المساحات المزروعة للحدود الدنيا في أفق انكفائها.
     ناهيك عن هذا الواقع المتصف بالندرة المتواثرة في المياه الموجهة للسقي ’لم تسلم مياه الشرب من الأزمة و أصبح العطش حالة دائمة بأغلب الدواوير ’تلازمها ظاهرة الملوحة و تلوث المياه بفعل انتشار الآبار العادمة تحت الأرض و تصريف النفايات المرجانية فوقها و غياب شبكات التطهير الصحي و ظواهر أخرى مشينة .

·        تراجع خصوبة التربة وتفاقم التعرية (التصحر + الانجراف ):

أفرز واقع الندرة المائية الموسوم بالاستمرارية  واقعا أخر لا يقل خطورة على الزراعة بالواحة ’بحيث أسهمت التقلبات المطرية في استنزاف التربة و تراجع خصوبتها بفعل عمليات الحرث و القلب المتتالية بحثا عن تعويض نقص المردودية ’إذ عقب كل عملية حرث فاشلة يبادر الفلاح من جديد إلى تقليب الأرض ’ خصوصا إذا ما تزامن ذلك مع زخات مطرية مفاجئة ’ كما أدت الفيضانات المفاجئة التي تضرب الواحة من حين لأخر لتدمير مساحات شاسعة من الحقول الزراعية ’خصوصا على جنبات الأودية كوادي الحجاج و وادي امدري و بوجهيلة من الجهتين ’و تدمير السواقي و مجمعات المياه "اكوك" ’ ويمكن للعين المجردة أن تلاحظ هول الكارثة بمجرى وادي الحجاج من جهتي الخامسة و الوسط ’بحيث أضحى ذلك المجرى -الذي لم يكن يتعدى العشرين مترا أواسط الأربعينيات من القرن الماضي - فضاءا فسيحا من حوالي ثلاثمائة متر عرضا و أكثر من عشرة كيلومترات طولا ’و هو ما يعادل ألف هكتار أي واحد على سبعة من المساحة المزروعة بالواحة ككل ’ينضاف لذلك انتشار مساحات واسعة من الأراضي المتروكة و المهملة وسط الواحة بفعل ندرة الماء ’و تفاقم التعرية بفعل عمليات اجتتات النخيل بغرض بيعه للسماسرة ’وموت المئات من أشجار الزيتون جراء الجفاف .

·       تراجع المحصول الزراعي كما و نوعا :

       سنة بعد سنة يتراجع المحصول الزراعي من معظم المزروعات الواحية بسكورة من حبوب و خضروات و فصة و فول و ذرة ’كما تراجعت إنتاجية الزيتون للسنة العاشرة على التوالي ’وتدهورت سلسلة إنتاج التمور بشكل مهول ’و انقرضت ألاف الأشجار المثمرة من نوع اللوز و التفاح و السفرجل و البرقوق’فضلا عن كل ذلك أصبحت الجودة أخر ما يفكر فيه الفلاح الواحي اليوم ’و بتدهور هاته المحصولات أصيب المزارعون بإحباط لم يسبق له مثيل  ’جراء تزايد إنفاقهم على الزراعة و تناقص مداخيلهم  ’مما دفع بالعديد منهم للهجرة نحو المدن أو نحو قطاعات إنتاجية أخرى داخل الواحة ’كما يعتقد أغلبهم اليوم بأن أراضيهم عالة عليهم و أن التخلص منها مسألة وقت فقط ’و الحقيقة أن حجم مداخيل الفلاح الواحي بسكورة اليوم مما يزرعه بأرضه مدخول سالب ’و أن الفرق غالبا يؤديه الفلاح من رأسماله الأصلي أو من عائدات نشاطات اقتصادية أخرى أو من تحويلات أبنائه المهاجرين بالخارج أو ببعض المدن المغربية الأخرى .

·       انتشار الآفات والأمراض :

يلاحظ أيضا بأن الأمراض و الآفات التي تصيب النبات و الحيوان بواحة سكورة قد اتسعت دائرتها ’ ففي مقابل انقراض مرض البيوض الذي أطاح برأسمال الواحة الأساسي أي النخيل ’ظهرت أمراض و طفيليات كثيرة أصابت أشجار النخيل و الزيتون و الأشجار المثمرة على السواء ’بحيث لم  تقو فصيلة النخيل "النجدة " التي بادرت المصالح الفلاحية لنشرها بالواحة على مقاومتها ’و لم تسلم شجرة الزيتون من انتشار البقعة السوداء و الدودة البيضاء ’أما الأشجار المثمرة المتبقية بالواحة فقد كانت لقمة سهلة أمام مختلف أنواع الطفيليات و الأمراض ’ بدورها المزروعات الأرضية كالخضروات و الحبوب لم تسلم من انتشار الفطريات و الطفيليات ’و أغلب الحقول اليوم تعرف انتشارا لما يعرف محليا ب" اللصيق " و هو نبات شوكي ينتشر بشكل سرطاني وسط الحبوب و الفصة و يقضي نهائيا عليها ’و انتشار طفيليات ما يعرف ب"تسلخت" خصوصا بالفول و الذرة ’و انتشار الدودة بالخضروات كالطماطم و غيرها .
من جهة أخرى تعرف واحة سكورة انتشارا مقيتا للجرذان (الطوبة) و البعوض الناقل لمرض الملاريا و الليشمانيات بمختلف أنواعها ’رغم العديد من حملات التوعية و الإبادة التي أشرفت عليها مصالح وزارة الصحة بالمنطقة .
·        انقراض بعض أنواع الطيور و الحيوانات و تناقص أخرى :

 على مستوى التنوع البيولوجي يلاحظ سكان واحة سكورة انقراض العديد من الطيور كالحجلة و الهدهد و اللقلاق و الغراب و البوم و الوطواط و حشرات كالفراشات و الجراد ’و نفقت ألاف من خلايا النحل الصحراوي المنتج للعسل ’و تناقصت بشكل كبير أعداد العصفور الدوري ( الجاوش) بعدما كانت تشنف أسماع الفلاحين و تمطرهم بوابل من زقزقاتها بالحقول ’خصوصا عند تجمعها قبيل الغروب بالأشجار الباسقة كالصفصاف و الاوكاليبتوس ’ و أصبحت أعدادها اليوم قليلة و يمكن عدها بواسطة العين المجردة ’كما أصبحت بفعل ندرة الغداء أكثر هجومية تجاه الفواكه و التمور و الطماطم و غيرها ’كما لم يعد بالإمكان ملاحظة هجرات الطيور بالشكل الجماعي السابق لا زمن الصيف و لا زمن الشتاء ’و أصبح من النادر أيضا العثور على الأرانب البرية و القنافد و السلاحف و التي كانت تملأ حقول الفصة و السواقي حتى نهاية التسعينيات ’هذا في الوقت الذي ظهرت فيه أنواع جديدة من الفئران الكبيرة الحجم (Rats) و الخنازير البرية التي تعيث فسادا بالمزروعات ’ و ازدادت أيضا أعداد الثعابين من نوع الكوبرا و الضفادع و العقارب و النمس و الحشرات المنزلية كما و كيفا .

·        تواتر الكوارث المناخية ( موجات الجفاف والفيضانات والعواصف ):

الأخطر من كل ما سبق هو الواقع المناخي الكارثي الذي أوجدته التغيرات المناخية بالواحة’و هو واقع جديد يختلف جذريا عما كان عليه الحال طيلة الفتراث السابقة ’والتي تعاقبت فيها بضع سنوات للجفاف ثم انفرج الحال و سقطت الأمطار حيث كان للسدود الكبرى و المتوسطة دور المنقد من الهلاك و من العطش للإنسان و البيئة ’فالواقع الجديد لم يعد كما كان الوضع آنذاك ’و الحال أن الجفاف اليوم لم يعد مرتبطا بأجل زمني محدد بل أصبح هيكليا و ملازما للمناخ الواحي’ و حتى لحظات الانفراج بين فترتي جفاف أصبحت سمتها البارزة هي الفيضانات و العواصف المدمرة’ الوضع إذن يتراوح بين خيارين أحلاهما مر ’إما جفاف حاد أو فيضانات مدمرة’و يحكي الفلاحون الواحيون بسكورة باستغراب كيف أن العواصف كانت تهب من جهة الشمال نحو الجنوب و الشرق شتاءا محملة ببعض الرطوبة و من الجنوب و الشرق نحو الشمال صيفا ’لينقلب الحال اليوم بحيث لم تعد تهب من جهة الشمال لا صيفا و لا شتاءا ’كما أن الحيز الصيفي للشهور الساخنة (أكثر من ثلاثين درجة ) امتد من ثلاثة أشهر لحوالي خمسة شهور الآن’ بالمقابل انقلب المناخ الصحراوي الواحي من حار و جاف صيفا و بارد و ممطر شتاءا إلى حار و ممطر صيفا و بارد و جاف شتاءا’ وهو ما أثر سلبا على مردودية المحاصيل الزراعية و على تربية المواشي كذلك  .
·        واحة سكورة ...أية حماية من التغيرات المناخية ؟

        واحات الجنوب الشرقي للمملكة عموما و واحة سكورة واحدة منها ’هي إذن في قلب العاصفة ’و هي التي تلعب دوراً كبيراً في مقاومة التصحر باعتبارها الحاجز الأخير في وجه هذا الزحف ، تتعرض اليوم أكثر من أي وقت مضى لمخاطر متعددة تهدد وجودها، ومن أجل تلافي ضياعها يتوجب اليوم توحيد الجهود من أجل جلب التمويلات وتعزيز القدرات ونقل التكنولوجيات ’لانجاز مشاريع تنموية و بيئية قادرة على مواجهة هذه المخاطر ’وتفادي الأسوأ’وهي نموذج بارز لما وصل إليه الوضع البيئي للواحات الجنوبية الشرقية جراء هذه التغيرات المناخية ’و لن يشفع لها امتيازها بالتفرد الايكولوجي والجاذبية السياحية و لا اختزانها للتراث الإنساني و البيئي ذو القيمة العالمية ( كالقصبات و القصور و أشجار النخيل و الوديان ) و الذي هو أساس الاستقرار السكاني بها منذ أقدم العصور في تفادي مشكلات التصحر و الجفاف و ندرة الماء ’فالأولى إذن بهذه الواحات المهددة بالزوال أن تبحث لنفسها عن مقاربات شاملة تمكنها من التكيف مع المناخ الجديد’ بدل التعايش مع آفاته و نتائجه السلبية على البيئة و الإنسان ، وهي على كل حال أحق بالنصيب الأكبر من برامج التنمية المستدامة المبنية على محاربة الفقر و الهشاشة و إنعاش الاقتصاد الأخضر في إطار المحافظة على البيئة و حماية التنوع البيولوجي بها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.