آخر الأخبار

سيمفونية الاحزاب...وهم خلف الحقيقة



بقلم : يونس حسنائي
ليس عيبا ان نصارح انفسنا بالحقيقة و نخضع الى منطقها و ندرك انها جزء منا لا يمكن التنكر له ، فحقيقة الاحزاب بالمغرب هي واضحة وضوح الشمس و تعريفها بسيط جدا لدرجة انه بإمكان اي شخص ان يدرك واقعها ، احزاب وطني هي احزاب مراحل و صمامات امان و قوارير احتواء قضايا فقط، لضمان سيرورة الماضي بالحاضر لمستقبل مجهول.
و لناخذ مثال ذلك حزب العدالة و التنمية فهو حزب مرحلة شانه شان احزاب سابقة و احزاب ستاتي في ما بعد،  يتم برمجتها و تهيئتها وفق بيئة المرحلة و ما تتطلبه لضمان سيرورة ذوي المصالح العليا ، فإبان الحراك الشعبي الذي عرف المغرب خلال سنة 2011 و كذا باقي  الدول العربية و التي انتهى اغلبها بسقوط أنظمتها ، كان من المقرر ان يتصدر حزب الاصالة و المعاصرة الانتخابات و لكن مع تحرك الشارع و الغضب الشعبي الذي وصل اوجه ، كان و لابد من تغيير الاستراتيجية السياسية مؤقتا و وضع حزب الجرار ضمن قائمة الانتظار حتى اشعار اخر ، خصوصا ان جل الشخصيات التي كان مطالبا بمحاسبتها و تعتبر رموزا للفساد لدى الشارع هي قيادات ضمن الحزب المذكور فصعودها نحو ترأس الحكومة سيزيد من اشعال الفتيل الشيئ الذي سيؤدي الى انفجار قد لا تحمد عقباه .
فكان صعود الاحزاب الاسلامية بالعديد من الدول التي عرفت سقوطا لأنظمتها جس نبض للشارع المغربي و تطلعاته خصوصا ان المواطن المغربي اضحى ينادي بحكومة اسلامية بأيدي نظيفة و يحملون شعار لا للفساد و نعم لمحاربة الاستبداد، فكانت المرحلة مرحلة اسلام سياسي وجب تهيئة المحيط المناسب له و توظيف الحزب الذي تم تدجينه و تاطيره لهاته المرحلة ، فما كان من الامر  الا ان يتم اختيار حزب العدالة و التنمية لهاته المرحلة الحساسة جدا و للقيام بمهمته على اكمل وجه حتى تمر العاصفة بسلام خصوصا انها اول تجربة نوعية  لهذا الحزب لقيادة الحكومة كما انه المعروف بطابعه المعارض للحكومات السابقة الشيء الذي اعطى بعض الثقة للشارع المغربي من اجل ان يرأس الحكومة المقبلة خصوصا و انه لا يوجد بديل لذلك لكون جل الاحزاب الاخرى قد اضحت ورقة محروقة و يصعب اللعب بها بتلك الفترة العصيبة ، و فعلا تم الامر بدءا باخراج دستور 2011 لحيز الوجود و كذا اقامة انتخابات برلمانية و صعود حزب العدالة و التنمية في الانتخابات بما مجموعه مليون صوت لكون المرحلة كانت تعرف عزوفا كبيرا عن التصويت و امتناعا عن المشاركة بالانتخابات او حتى التسجيل باللوائح الانتخابية.
بالفعل تم السيطرة على الشارع و اخماد فتيل المظاهرات و الاحتجاجات و عودة النقابات و الحركات الى قواعدها ، رغم بعض المناوشات بين الفينة و الاخرى الى انه تم افشالها و القضاء عليها و السيطرة على الوضع بشكل اقوى  ، و خلال فترة قيادة حزب العدالة و التنمية لحكومة  ما بعد 2011  و خصوصا مع قرب نهاية ولايتها ، كان ولابد من ان يتم سحب تلك الثقة من الشارع نهائيا و كليا لضمان عدم عودة هذا الحزب الى قيادة الحكومة و وضعه بمقبرة الاحزاب بسلام دون نحيب او بكاء ، فكان تمرير العديد من القرارات الخطيرة و التي ليست في صالح المواطن خلال ولاية هاته الحكومة  و التي كانوا يعرفون مسبقا انها ستغضب الشارع المغربي  و سيعرض الحزب الى سخط عارم قل نظيره ، بالإضافة الى خطوات يمكن ان نصفها بالغبية و التي اجهزت على الحزب نهائيا و فقد الحزب بموجبها ثقة الشارع نهائيا  : كخروج الاستقلال و التحالف مع الجرار و التقدم و الاشتراكية و قانون اصلاح التقاعد و الزيادة في المواد الاستهلاكية و التقليص من اليد العاملة و الزيادة في اجور المسؤولين و كبار الدولة  و ارتفاع المديونية الخارجية بشكل مهول و تدهور قطاع الصحة و التعليم و لعل الاحصاءات و المراتب العالمية بالارقام خير دليل على ذلك ... و غيرها كثير من الكوارث السياسية و الاقتصادية  التي عرفتها ولاية حزب العدالة و التنمية.
فكان و لابد من الاستمرار في تعبيد الطريق لحزب المستقبل و الذي ظل في قائمة الاحتياط لخمس سنوات ، و هو حزب الاصالة و المعاصرة ، و هذا الحزب نفسه هو حزب مرحلة ، و اختياره لقيادة الحكومة القادمة أي حكومة ما بعد 2016 لم يكن عبثيا ابدا بل كان لعدة اعتبارات اهمها : ان القضية المستقبلية و التي طغت على الساحة و اضحت حديث الشارع  هي قضية الحركات الامازيغية ، هذه الحركات التي بدات تشهد توسعا كبيرا بالمغرب و انتشار هائلا  لمؤيدها و اتباعها فهي بذلك قضية العصر و حديث المرحلة ، الشيئ الذي وجب معه ايجاد حزب ليؤطر هاته الحركات و يقودها تحت امرته، لضمان منع اي انفلات او فعل سياسي اخرق قد يؤدي الى  نتائج وخيمة مستقبلا  فتم تهئت  حزب الاصالة و المعاصرة من اجل هاته المهمة و التي لن تكون بالسهلة.
هذا دون ان ننسى ان نذكر  ان حزب الاصالة و المعاصر هو حزب اقتصادي في باطنه بالدرجة الاولى  لكنه يتقن الظهور بمظهر الحزب السياسي  بالدرجة الثانية ايضا  و لعل هذا هو سبب ازاحة الباكوري من الامانة العامة للحزب و تعويضه بالياس العماري لكون الباكوري هو رجل اقتصاد اما الياس العماري فهو رجل سياسة ، و لكون المرحلة القادمة تتطلب رجلا سياسيا اكثر منه اقتصاديا و لكون المرحلة القادمة ايضا تتطلب رجال اقتصاد و اعمال اكثر منها من رجال دين و مواعظ و ارشاد.

بالاضافة الى تبني الحزب لفكر علماني يقر و يؤمن بفصل السلطة  الدينية  عن السلطة السياسة  و عدم قيام الحكومة أو الدّولة بإجبار أيّ أحدٍ على اعتناق وتبنّي معتقدٍ أو دينٍ أو تقليدٍ معيّنٍ لأسباب ذاتيّة غير موضوعيّة ، أي ان  الأنشطةَ البشريّة والقراراتِ -وخصوصًا السّياسيّة منها- يجب أن تكون غير خاضعة لتأثير المُؤسّسات الدّينيّة،  خصوصا مع المد الداعشي و الفكر المتطرف الذي اضحى يتغلغل بالمجتمع المغربي بشكل تلقائي
و بالتالي فان حزب الاصالة و المعاصرة هو حزب المرحلة القادمة بدون منازع  و هي مسألة لا يتناطح عليها كبشان ، و واقع الامر هو من يقول ذلك خصوصا اذا ما علمنا هجرة العديد من قياديي حزب العدالة و التنمية  و المنتمين الى ذراعه الدعوي (الاصلاح و التوحيد) في الاونة الاخيرة نحو حزب الجرار. 
المسألة ليست مسالة حملة انتخابية او تفضيل حزب على حزب اخر ، بل هي الحقيقة التي يجب ان ندركها جميعا ، على ان الاحزاب لعبة سياسية قديمة الازل وجدت لاحتواء الشارع وفق قضايا انية او مستقبلية ينكب على دراستها خبراء اقتصاديون و سياسيون و اجتماعيون يدرسون و بحذر سيكولوجية الشارع المغربي و الحزب المناسب لتلك المرحلة.
فربما المرحلة ما بعد الاصالة و المعاصرة ستشهد عودة الى الفكر الاشتراكي و هذا ما نستنتجه من تصريح الياس العماري لاستعداده في التحالف مع حزب الاتحاد الاشتراكي أي هي محاولة لاعادة ضخ الدماء في عروق هذا الاخير بعد السكتة القلبية التي المت به ، خصوصا بعد اتجاه العالم الان نحو الفكر الاشتراكي و بداية انهيار الراسمالية فمن يدري ما تخبئه قادم الايام . 
و بناءا على كل ذلك يتم قبر احزاب و ميلاد احزاب اخرى او احياء احزاب تم قبرها  لتستمر اللعبة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.