آخر الأخبار

التعليم والديمقراطية



مره اخري، ينتقد العاهل المغربي، الملك محمد السادس، التعليم في بلاده، ويدعو الي ضروره الاصلاح الجوهري لهذا القطاع، يعيد الاعتبار الي المدرسة المغربية. جاء النقد من اعلي سلطه في البلاد في المغرب، في خطاب رسمي موجه الي الامه، بمناسبه الذكري السادسه عشره لتولي الملك حكم بلاده.
وعلي مر السنوات الست عشره الماضيه، يكاد لا يخلو اي خطاب ملكي من الاشاره الي ضروره إصلاح التعليم. ففي عام 2013، قال العاهل المغربي، ان وضع التعليم في بلاده اصبح اكثر سوءاً، مقارنه بما كان عليه الوضع قبل اكثر من عشرين سنه، وان عدداً كبيراً من الاسر، علي الرغم من دخلها المحدود، اصبحت تهرب من المدرسه العموميه، وتتحمل التكاليف الباهظه لتدريس ابنائها في المؤسسات التعليميه التابعه للبعثات الاجنبيه، او في التعليم الخاص! وقتها، اعلن الملك عن تعيين لجنه ملكيه عهد برئاستها الي احد مستشاريه لوضع تصور لاصلاح التعليم. ولم تكن، ايضاً، تلك المره الاولي التي يتخذ فيها العاهل المغربي هذه الخطوه، فقبل عقد ونيف، اوكل الي احد مستشاريه رئاسه لجنه مماثله تولت انجاز ما سمي في المغرب "الميثاق الوطني للتربيه والتكوين"، حظي بمباركه الملك، قبل ان يعود الملك نفسه الي انتقاده وانتقاد نتائجه، بعد ان طبقته الحكومات المتعاقبه، وبعد ان استنفد اموالاً عموميه كثيره.
مازال التعليم، في راي العاهل المغربي، بعيداً عن تحقيق التنميه، وابعد ما يكون عن الانفتاح والارتقاء الاجتماعي، وابعد من ان "يحصّن الفرد والمجتمع من افه الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق". فما الذي يجعل التعليم يفشل في المغرب، واصلاحه يتعثر كل مره؟
نجد جزءاً من الجواب عن هذا السؤال في تقرير سابق صدر عن فرع "ترانسبرانسِي المغرب"، كشف عن استِفْحال الفسَاد داخل هذا القطاع الحيوي. يقول معدو التقرير، الصادر عام 2008، ان المتعامِلين مع قطاع التربيه يضطرون الي دفعِ الرشوه لتعليم ابنائهم، وان القطاع يواجه تحديات كبيره تتعلق بالجانب الاخلاقي والافتقار الي الحكامه، وان اداره الموارد الماليه للقطاع تبقي غير شفافه. والي استشراء الفساد في القطاع الذي يُعهد اليه بتربيه اجيال المستقبل، ما يزيد من تردي وضع التعليم افتقاده الرؤيه الاستراتيجيه التي تمتد في الزمان، وهذه رهينه بوجود اراده سياسيه حقيقيه للاصلاح. وفي حاله المغرب، قد يتساءل المرء، ما الذي يمنع تحقيق هذه الرؤيه، خصوصاً وان من يدعو اليها هو الملك نفسه؟

لمحاوله الجواب عن السؤال، لا بد من استقراء تاريخ اصلاح التعليم في المغرب، فبعد استقلال المغرب، منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان النظام التعليمي المغربي يعتمد كثيراً علي مناهج التعليم الفرنسي، وهو تعليم يقوم علي تنميه حاسه النقد لدي المتعلم. ومع تنامي المد اليساري في المغرب، واشتداد حده المعارضه اليساريه في نهايه سبعينيات القرن الماضي، قرر الملك الراحل الحسن الثاني تغيير تلك المناهج، وافرغها من ماده الفلسفه التي تُعلم المتلقي كيف يفكر وتذكي لديه حاسه النقد، واغرقها بمناهج تقوم علي شحن عقل المتلقي، وتحد من مهارات تفكيره، وتقتل حاسه النقد لديه.

مع الاسف، مازالت هذه المناهج سائده داخل المنظومه التعليميه المغربيه. لذلك، مهما كانت نيات الداعين الي الاصلاح حسنه، لا يمكن ان يكون حقيقياً، اذا لم يكن مسنوداً باراده سياسيه حقيقيه. وكما يقال، التعليم الجيِّد يتطلب حكماً رشيداً، او بالتعبير الحديث، حكماً ديمقراطياً، فالعلاقه بين التعليم والديمقراطيه تكاد تكون جدليه. فاذا كان التعليم لا يزدهر الا في المناخ الديمقراطي، فان الديمقراطيه الحقيقيه لا تترسخ الا داخل البيئه التي يكون فيها التعليم قادراً علي تعزيز قيم المواطنه والمسؤوليه المدنيه، فجوهر الديمقراطيه الحقيقيه يقوم علي مبدئي التفكير النقدي واحترام وجهات النظر المختلفه وتقبلها.

في المغرب، كما في جل الدول العربيه، توضع مناهج التعليم علي مستوي الحكومات المركزيه التي تخضع بدورها لسيطره نظم سلطويه. وبالتالي، يطغي علي هذه المناهج الطابع التوجيهي الذي لا يشجع علي التفكير التحليلي المستقل، وابعد من ذلك، التفكير النقدي الحر.

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.