آخر الأخبار

من المسؤول عن تنامي العنف داخل المجتمع المغربي؟



كثرت في السنوات الأخيرة مظاهر العنف داخل المجتمع المغربي، وتعددت أشكاله وتنوعت، عنف في المدرسة وداخل الأسرة وفي الشارع. اغتصاب لأطفال قصر وتحرش بالنساء وجرائم فظيعة وسطو مسلح على الممتلكات. هذا العنف ليس وليد اليوم، فالمجتمع المغربي مثل جميع المجتمعات لم يخلو يوما من كل أشكال العنف، لكن منسوبه ارتفع وأشكاله تنوعت و"تطورت".

أسباب هذا العنف كثيرة ومتعددة، فهو يبدأ من المدرسة التي تعتمد منظومة تربوية فاشلة تنتج جيوشا من العاطلين، ويهرب سنويا من فصولها الآلاف من الأطفال الذين يجدون أنفسهم في الشارع بدون تأطير أو توجيه. والمسؤول الثاني هو الإعلام العمومي الممول من المال العام الذي يقدم منتوجا منفصلا عن الواقع أغلبه مواد "بروباغوندا" دعائية للسلطة، غايته الأساسية هي تدجين المتلقي وتخدير حاسة النقد لديه. وحتى الإعلام الخاص الورقي والرقمي، تحول إلى ناقل ومروج للعنف بدلا من أن يكون له دور في التوعية للحد منه، فأمام تراجع هامش حرية التعبير أمام هذا الإعلام أصبح القائمون عليه يلجؤون إلى التركيز على أخبار الجرائم وتتبع قصص المجرمين بحثا عن تحقيق أرقام مبيعات ومشاهدات مرتفعة، وقد انساقت ورائهم حتى بعض القنوات التلفزيونية الرسمية بحثا عن جمهور أوسع. فقد كشفت التحقيقات الأمنية في إحدى الجرائم المرتكبة، أن أصحابها استنبطوا أفكارهم الإجرامية مما كان يبث على شاشة تلك القنوات من برامج تقتات على إعادة محاكات جرائم واقعية!

أما المسؤول الآخر عن تنامي هذا العنف فهو قتل السياسة داخل المجتمع. وهنا تكمن خطورة الفراغ الذي أحدثه هذا الموت الإرادي لكل ما هو سياسي داخل مجتمع تحارب فيه الجمعيات المستقلة الحاملة لمشاريع مواطنة تقدمية، وتمنع داخله أنشطة الأحزاب والجماعات السياسية التي تتبنى خطابا نقديا للواقع. وبما أن الطبيعة لا تحب الفراغ فلا أحد يمكنه أن يتنبأ بما يتفاعل داخل عمق  المجتمع السحيق. فالمؤشرات التي يمكن استقراؤها من أحداث العنف الأخيرة التي هزت المجتمع المغربي تبين أن لونه أصبح يتخذ له لبوسا سياسيا دينيا متزمتا. فالتحرش بالنساء في الشوارع والأسواق العمومية والشواطئ لم يعد يحركه الكبت الجنسي وإنما بات يمليه فكر المتحرشين الديني المتزمت. واستعمال السيوف الطويلة في حالات العنف المثيرة، سواء بهدف السرقة أو بهدف القصاص والتعزير، يحيل على مرجعية فكرية دينية تعتبر السيف نصير المظلومين وأداة لإحقاق الحق والنهي عن المنكر.

إن ما يعتبر اليوم حالات عنف منفصلة يتسلى بها الإعلام لاستمالة عواطف متتبعيه قد يتحول غدا إلى ظاهرة مجتمعية يصعب التحكم في تداعياتها. فقد أظهرت تجارب دول المحيط التي تشهد اليوم حروبا  أهلية طاحنة مدى ارتفاع منسوب العنف داخلها، وهو عنف ديني طائفي يستمد مخزونه من عمق تاريخي سحيق تكونت ترسباته على مدى قرون طويلة من الجمود الفكري والتزمت الديني والقمع السياسي.

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.