آخر الأخبار

قراءة على هامش الاصدار الجديد للقاص ادريس الجرماطي " لحظات في محراب الصمت"


قراءة: السعيد بابا 

قراءة اي عمل ادبي من اي جنس كان يستوجب التوفر على اليات و ادوات و مفاتيح تيسير مهمة النفوذ الى اعماقه و سبر اغواره، ومساءلته وتبين ملامحه و ابعاده الخفية، فالنص السردي اشبه بالبحر الهائج ، يستدعي من خائض غماره معرفة اصول السباحة و الغطس ، حتى لا تجرفه التيارات الى الاعماق حيث لا عودة ،فالنص السردي من هذه الزاوية كائن ذو حركية مستمرة ، يؤثر ويتأثر ، يحيى ويموت، يحمل في كنهه اسرار مبدعه،  الامه و اماله، فهو جزء منه ،عاش معه الم المخاض و الولادة ، فالمبدع صلة وصل بين عالمين و زمانين ، عالم و زمن الكتابة بما تتسم به من اصالة و استشراف لافق ارحب ، وعالم وزمن معيش يتصف بلونه الرمادي و سيادة منطق التواري خلف الاقنعة، فالإبداع بهذا المعنى ولادة رؤية جديدة للعالم و الانسان، تعيد ترتيب الادوار وتسعى لخلق التوازن و اضاءة المساحات المظلمة ، في تحد صارم للواقع و ازماته لإعلاء شأن قيم التغيير والتحرر.
المتأمل – بصفة القارئ عن قرب – لإبداعات القاص ادريس الجرماطي يلاحظ ان رؤيته للعالم تنبني عبر تشريح الانسان و عرض كل تناقضاته التي ترسبت بفعل عوامل مرتبطة بالتاريخ و التراث و السياسة ، دعوته واضحة المعالم لتزكية انسانية الانسان من كل ما يضيق من رحابتها و كونيتها، فالهدف ازالة اقنعة اخفاء الحقيقة ،حتى يستطيع الانسان مواجهة نفسه ومواجهة العالم و وبالتالي التحكم في مصيره و توجيه حياته.
المبدع ادريس الجرماطي يؤسس اذن لمنظور جديد في الكتابة الادبية ، يستقي ملامحه من واقع الانسان في صراعه السرمدي ضد ما يتهدد توازنه و استقراره النفسي و الاجتماعي، و يظهر هذا المنحى المتميز من التفكير بارزا لهذا المبدع من خلال اللوحات السردية "لحظات في محراب الصمت " والتي حقا تميز فيها الكاتب –كعادته- بتلك الصور الفنية الكثيفة ، فكانت اشبه بصور سينيمائية تمر امام القارئ في تتابع دقيق ابدع مخرجها في تصويرها، فجاءت هذه التقنية  السردية بديلا فريدا عن الحوار ، اذ الصورة قالت كل شيء، وربما هذا مراد الكاتب ادريس الجرماطي من تأكيده على قيمة الصمت في هذا الاصدار الجديد، حيث اعلى الكاتب من شأن الصمت و انزاح به من مجال العزوف عن الكلام و الاضراب عنه الى جعله مرادفا للكلام الكثير ولغة عالمية انسانية يفهمها الجميع. هي لحظات اذن في محراب الصمت ،للمطالبة بهدم جدار الصمت ، الصمت من خلال هذه اللوحات السردية يمتاز بشيء من القداسة يستمدها من قدسية الفضاء و الامان الذي يمنحه المحراب لمن يتكلم فيه لغة الصمت لكسر الصمت.
حضور الرمز شكل اضافة نوعية للسرد في هذه اللوحات ، جعل منها صورا سريالية تجاوزت حدود الواقع بسوداويته و ما يعتمل فيه من تناقضات و ازمات ، الى افاق رحبة تتنبى فيها الذات الانسانية التغيير المؤسس على التفكير العقلاني و الحرية كقيم عالية تجاهد من اجلها، انها دعوة مفتوحة لاعادة قراءة الذات ، و استفزازها بطرح اشكالاتها الوجودية و استشراف افاقها المستقبلية.      التغيير ممكن-حسب الكاتب- شريطة الايمان بضرورته و راهنيته، وليس التموقع منه موقع المتوجس الخائف و الشاك، يقول القاص ادريس الجرماطي:" انا مجرد غريب في زماني و مكاني ورؤياي للاخرين...انا وخز ترتعش منه ذواتكم التي تتحول لمن حولهم...عبثا، وتتركهم لانفسهم ليتخلص منهم الغباء دون قيمة لاشياءهم...انا ادرك الحقيقة...لم اكن افهم الا اني انسان ، ينتظر فك الاطار الذي حوله... هناك حيث يلفني الف مكتوب." * لوحة مشهد* لحظات في محراب الصمت*. 
ايمان الكاتب ادريس الجرماطي بقيم الحرية والعدالة يقوم على اساس الاعتراف اللامشروط بإنسانية الانسان ، فالحرية لا تقبل التقييد، لانها من صميم كينونة الانسان و ضمان وجوده الحقيقي لا الرمزي و تجريد الانسان منها يعني وأد انسانيته وان كان حيا يسعى على الارض، يقول القاص ادريس الجرماطي في لوحته السردية *ضوابط*:" الانسان غير حر مادام لا يستطيع ان يكون عاريا متى شاء.... اريد ان ارى يافطة تقول : هنا يسكن من لا يؤمن بالضوابط ،طبعا التي تبعده من الانسان".
ان المبدع ادريس الجرماطي –من خلال قراءة اولية للوحاته السردية – يملك رؤية ترقى لمستوى التنظير الفكري لمرحلة جديدة ، سواء على مستوى التأسيس لمنظور متكامل الاركان للكتابة السردية ، او على مستوى التأسيس لبنيات جديدة لتوجه فكري فريد يؤمن بانسانية الانسان في كونيتها و شموليتها ، و يجعل من محراب الارادة و الصدع بحرية الفكر ملاذه الامن. 

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.