آخر الأخبار

النسب الشريف...عودة على بدء

بقلم: لحسن أمقران 
أثار القرار الأخير لوزيري الداخلية والعدل والحريات بخصوص حمل بطاقة "شريف" ردود فعل من جانب المواطنين المغاربة تتراوح بين منوّه ومستنكر لهذه الخطوة، ردود فعل لم ترق إلى مستوى فتح الملف بشكل أوسع - خصوصا في القنوات الإعلامية- يضمن استحضار تشعّبات هذه القضية بنوع من التجرد الواجب والحرص التام على السلم الاجتماعي واللحمة بين  أفراد المجتمع المغربي. 
إن أول شيء يجب الانتصار له في القرن الواحد والعشرين هو مفهوم المواطنة التي تتأسس على ثنائية الحق والواجب، فالمواطن الصالح من يسعى في رقي وتقدم وطنه من خلال مواقفه وسلوكاته، حركاته وسكناته، فيلتزم بواجباته تجاه الأفراد والمؤسسات على اختلافها. وبالمقابل تلتزم الدولة بحفظ كرامة هذا المواطن من خلال احترام وحفظ حقوقه الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق منهاج يعتمد تكافؤ الفرص والعدالة بين كل المواطنين. إن المواطنة الحقة لا تستقيم بوجود امتيازات أيا كان نوعها وحجمها تقدمها الدولة لفئة من الفئات أو تسكت وتتغاضى عنها، أي أن الدولة ملزمة أخلاقيا أن تتعامل مع مواطنيها على قدم المساواة بغض النظر عن الأصول الإثنية والجغرافية، والأفكار والمعتقدات،  والألسنة والألوان لهؤلاء المواطنين.
من جهة أخرى يجب التأكيد على نسبية الأنساب، كل الأنساب، فالعامل التاريخي يفرض نفسه وبقوة في هذه الحال، ويكفي الرجوع إلى الفترة الأموية  بشمال أفريقيا وحجم التنكيل النفسي قبل الجسدي والاستنزاف الضريبي الذي كان السكان ضحية له لاعتبارهم من "الموالي"، وضع جعل عددا كبيرا من القبائل على طول شمال أفريقيا تدعي كونها من سلالة "عربية" و"شريفة" اتقاء لشر الجيوش الأموية وعمال الخلافة المشرقية. من جهة أخرى تتحدث المصادر التاريخية عن تبنّي عدد كبير من ملوك الدولة المغربية سواء خلال فترة  حكم دولة المرابطين والموحدين أو غيرهما من الدول التي توالت على حكم المغرب  للنسب "الشريف" لكون هذا الأخير المصدر الأكبر للشرعية السياسية، إلى جانب مصادر أخرى كالعصبية القبلية ومعطى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وملء الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا" وادعاء كون المهدي المنتظر.... كما أن "التشريف" كان سياسة ممنهجة خلال فترات عديدة من جانب الدولة المركزية لمواجهة تمرد القبائل وعصيانها. هذا ويجب استحضار معطى الزوايا كمؤسسات دينية وتعليمية ازدهرت في فترات معينة من التاريخ المغربي، فقد كان خريجو هذه المؤسسات يوشّحون في كثير من الأحيان بوسام "الشرف" بقصد أو غير قصد دون مراعاة لأصولهم الإثنية، لكونهم حفظة للقرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كل ما ذكر سلفا من الوقائع التاريخية، لا يجب أن يتخذه البعض ذريعة للنيل من الأعراض والتهجم على الأفراد والجماعات وممارسة العنف الرمزي في حقهم، أو التشكيك في الأنساب بشكل استفزازي، عبثي  وإطلاقي، بالنظر إلى كون هذا الوتر حسّاسا  خصوصا في مجتمعاتنا النامية التي  تحركها العواطف أكثر من خضوعها للعقل. أن يعتقد هذا أو ذاك كونه ذا نسب شريف أو سليل البيت النبوي فهذا اختيار وربما حقيقة لا تضرّني في شيء ويجب احترام اعتقاده من باب الإيمان بالاختلاف، لكن أن يؤمن صاحب هذا الاعتقاد بحقه في التصرف على هواه وضدا على القانون، أو ينعم بامتيازات مهما كانت كما وكيفا، فهذا هو الموقف والسلوك الذين يتعين التصدي لهما، لكن بشكل حضاري يغلّب الحوار الهادئ على أعلى المستويات والنقاش العمومي المسؤول، والذي يكفل نشر الوعي بمخالفة هذا الوضع للقيم الانسانية والأخلاقية والتفكير المنطقي والسليم، وبالتالي العمل من أجل  استصدار نصوص قانونية، من الجهات المعنية،  تنتصر للمواطنة وإحقاق المساواة بين المواطنين، وتغليب روح القانون الذي ينتصر للحق والإنصاف والعدالة.
إن على عاتق الدولة  المغربية القضاء على كل أشكال التمييز والامتيازات، والكف عن سياسة الهروب إلى الأمام والعمل الجاد لمأسسة المواطنة لترسيخها في أذهان المواطنين الذي يظلون في نهاية الأمر ضحايا هذا التداول الشعبي لهذا الملف.

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.