آخر الأخبار

زيارة الأولياء و الأضرحة بمنطقة سكورة عادات اجتماعية في طور الانقراض


رغم الدور التاريخي الكبير و المؤثر لمنظومة الأولياء و الأضرحة في بناء الوعي الجمعي لساكنة منطقة سكورة ’شأنها في ذلك شأن باقي مناطق المغرب الأخرى ’إلا أن واقع الحال اليوم يعرف تغير كثيرا ’يتمثل هذا التغير أساسا في  تراجع زوار المزارات والأضرحة و الأولياء بالمنطقة بشكل جد ملفت ،إلى درجة أن بعضها لم يعد له زوار أبدا و تكاد أطلاله تنمحي من الوجود  ’و الأكيد أن أسباب التراجع مرده بالأساس إلى ارتفاع مستوى الوعي  و تراجع الأمية و الفقر ’بفعل انتشار المدارس و تعاظم أدوار المستشفيات في علاج مختلف الأمراض’ إضافة للدور الكبير الذي لعبه الإعلام (التلفاز و الانترنت و الهاتف ) في نشر المعرفة العمومية المبسطة .

لقد كانت زيارة الأضرحة و الأولياء بمنطقة سكورة عادة مترسخة لدى الساكنة بمختلف طبقاتها و فئاتها الاجتماعية ’ لا تتخلى عنها أي أسرة و لا يتخلى عنها أي فرد كيفما كان وضعه الاعتباري ’و مرد ذلك يرجع بالأساس  للخلفيات الفكرية التي كانت تؤطر العلاقة بين الإنسان برموز - أولياء - معتقده الديني ’و التي تترجم طموحات دنيوية يعجز عن تحقيقها لوحده فيلجأ لطلب "بركات" من يعتقد أنهم ذوو رمزية دينية مثلى لتحقيق ذلك ’ على اعتبار أن الغايات التي كانت لتلك الزيارات تكاد تشمل كل مراحل الحياة بالنسبة للفرد و الجماعة منذ ماقبل الولادة و حتى الوفاة ’ جدير بالذكر بأن هاته الزيارات و التي يقصد بها "التبرك" تشمل غايات الزواج و الإنجاب  و المال و العمل والقوة و الفحولة  و الجمال و العلاج (النفسي و العضوي ) ..الخ ’و لطالما اعتبرت هاته الزيارات سنة من "السنن الحميدة " للمسلمين الثقاة المعتزين بدينهم و المقتدين بألاولياء فيه إحياءً لذكريات المفاخر والأمجاد في النفوس’ و غير ذلك من دلالات تفعيل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتآلف ليس فقط بين مكونات القبيلة الواحدة ولكن بين مختلف القبائل بالمنطقة .                                                     
                 
           فبسكورة وحدها يوجد مايقارب الثلاثين مزارا تنقسم إلى ثلاث أنواع ’ أضرحة و أولياء بدون أضرحة و مزارات أخرى ’و تتوزع جغرافيا بشكل متساوي بين كل مناطقها إذ قليلة هي الدواوير الكبرى التي ليس بها مزار أو  ضريح ’أهمها و أشهرها على الإطلاق ضريح الولي سيدي عبد الملك الواقع بدوار أولاد الشيخ علي بجوار فندق" دار الأحلام "’و قد كان لهذا الولي زوار كثر من مختلف مناطق سكورة و من خارجها كقلعة مكونة و تاوريرت و تابونت و بعض مناطق زاكورة ’ و عرف عنه كثيرا التبرك بغاية الاستشفاء العقلي و وقف العنوسة لدى الفتيات ’و يشترك معه في الشهرة عدد أخر من الأضرحة  كضريح سيدي امحمد أوبلقاسم بدوار اولاد يعكوب و ضريح سيدي امحمد لحنين بدوار تيريكوت وضريح سيدي امبارك بدوار تجنات و السيد لكامل بدوار ايت علا بن يحيا ’ غير أن لهذه الأضرحة الأخرى اختصاصات أخرى تميزت بها كغاية الحصول على الشعر الطويل (الجمال ) و الخصوبة و إزالة الثقاف ...’ ضريح أخر هو ضريح الولي سيدي عثمان الواقع بمركز سكورة و يعد من أهم المزارات الدينية بها و قد اقترن اسم هذا الضريح باحتفاليات الموسم السنوي "سوق عام" يماثله في ذلك ضريح مولاي الطيب نفسه بدوارالخامسة و ضريحي سيدي امحمد التونسي و سيدي اعمر بدوار الزوية و ضريح السيد لمتوني و سيدي عبد الحق بأكماط و غيره كثير.

و تلعب بعض المزارات الأخرى المرتبطة بزمان معين أو مكان معين  دورا لا يقل أهمية عن تلك التي تمثلها الأضرحة ’نذكر منها على الخصوص المزار المائي " للا عائشة أوتحمو " باحزكان و مزار " منبع تصب لباط " بضواحي ادلسان ’و هما معا عبارة عن نبع مائي كبريتي متفجر منحصر بين هضاب حجرية مختلفة الارتفاع ’و يحضيان بسمعة تخترق حدود ورزازات إلى العديد من المدن المغربية ’و قد كان للصدف وحدها الدور الكبير في هذه الشهرة بفضل مائهما الغني بالمواد الكبريتية و ذو الطبيعة الدافئة و الذي ساعد قديما في علاج بعض الأمراض الجلدية كالتولال و الاكزيما ..  ’لتتناسل فيما بعد الحكايات و الأساطير حولهما و حول قدرة مائهما العجيبة على شفاء كل الأمراض و على جلب العريس و طرد النحس و جلب الأولاد ’و لحدود الساعة لازال بعض الرواة يتداولون أسطورة مزار " للا عائشة أوتحمو " على أنها مصب لوادي قديم غرق فيه موكب إحدى العرائس "المباركات " و التي كانت في طريقها لزوج لا يحفظ القران ’ما حدى بها لتدعو على نفسها بالغرق هناك لمنع ذلك الزفاف و لتكون فداء لمن بعدها من النساء اللائي يزوجن بدون رغبتهن لأزواج لا يستحقوهن .

من جهة أخرى يذكر رواة منطقة سكورة القدامى بأن ثمة العديد من الأولياء و الصالحين الذين لم يعد أو لا يعرف لهم أي ضريح شاهد على قبورهم ’كما يذكرون بأنه كان لكل" زاوية " ولي أو أكثر و يقصدون بالزوايا القصبات الكبرى المرتبطة بعائلات ذات نسب عريق و نفوذ ديني كبير بالمنطقة ’كزاوية سيدي عبد المومن بدوار اولاد اعمر و زاوية سيدي رحال بالقرب منها و زاوية سيدي صالح باولاد امبارك ’وهي كلها زوايا معروف عن أهلها اتصافهم بالتقوى و الصلاح و تعليم القرآن و مساعدة الفقراء و عابري السبيل .
الحقيقة أنه لا يوجد مشكل في تقدير الشخصيات التاريخية ذات الأخلاق العالية و المعارف البينة في مجالات الدين و الدنيا التي تقدم للبشرية علوما و مناهج وضاءة تساعد على تقدمها و نمائها’بل هو شيء مطلوب جدا غير أن بناء الأضرحة و جعلها مزارات للتبرك و تقديس أهلها لدرجة يصبحون معها بمثابة وسائط بين الله والبشر،فذلك شيء مذموم جدا ’ إذ لا يلبث مزار الصالحين - فعلا -أن يتحول رويداً رويداً إلى معقل لغير الصالحين و بؤرة لممارسة السحر و الشعوذة و طمس العقل البشري .

بقلم : سليمان رشيد – سكورة / ورزازات .

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.