آخر الأخبار

المغرب يحتل مراتب "متقدمة" في الفساد والرشوة


 أحمد مصباح  
اصطدم المكتب الذي اعتمدته الحكومة المغربية من أجل المساعدة على إعداد استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد، بأرقام مهولة. ففي دراسة البنك الدولي أنجزها سنة 2011، برز الأثر المادي للرشوة، الني هي من تجليات الجريمة الاقتصادية والمالية، باهظة التكلفة بالنسبة للدولة المغربية. أثر يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمغرب، سنة 2011. أي ما يقارب 10 مرات ميزانية وزارة العدل، ما و3 مرات ميزانية وزارة الصحة، و60 في المائة من ميزانية الاستثمار والتسيير لوزارة التربية والتكوين، وما يقارب مساهمة الدولة في 625 ألف سكن اجتماعي.
وباستحضار جريمة الرشوة، فمن يبلغ عنها إذن؟
تبعا للمنطق البسيط، فإن من يبلغ عن الرشوة هو ذلك الشخص الذي كان ضحية للارتشاء، أي أنه قدم أموالا من أجل قضاء غرض معين، لكن تلك الأموال لم تفض إلى النتيجة المتوخاة، التي كان ينتظرها. ما يعني أن الرشاوى وعمليات الرشاوى التي تمت، وكانت ناجحة بطبيعة الحال، لم ولا يتم التبليغ عنها. فإحصائيات التبليغ عن الرشوة، حسب الاشتغال في إعداد الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، لا تعكس بأي حال من الأحوال، وضع ووقع الرشوة العمومية، كما تمارس في المعيش اليومي، على أرضية الواقع.
هذا ما استحضره العرض المستفيض تحت عنوان : "دور المفتشية العامة للإدارة الترابية في محاربة الجريمة الاقتصادية والمالية بالجماعات الترابية : إكراهات العمل وآفاق التجاوز"، ألقاه في المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، بدر عبد الحفيظ عفيف، باشا لدى ديوان الوالي المفتش العام بوزارة الداخلية.
وبالحديث عن الجريمة الاقتصادية والمالية في المغرب، فإنها لم تعد بتلك الصورة النمطية الاعتيادية أو التقليدية، التي من تجلياتها، إلى جانب الرشوة، الغدر، واختلاس المال العام، والخروقات المالية والإدارية التي تشوب تدبير شؤون المجالس المحلية (الحضرية والقروية)، وعمل الإدارات القائمة على الشأن العام، والمؤسسات المالية، وغيرها من المؤسسات التابعة للقطاعين العام والخاص. فهذه الجريمة ما فتئت تعرف تطورا "نوعيا"، سواء من حيث أساليب وتقنيات التخطيط لها وتنفيذها، أو من حيث المجالات التي تستهدفها، والتي اتسعت رقعة دائرتها.
إن الجريمة أو الجرائم الاقتصادية والمالية أصبحت تتعدى الحدود الجغرافية والترابية، وعابرة للحدود والدول والقارات. فتطورها الخطير في المغرب، بوثيرة وخطى تسارع الزمن، لم يكن في معزل عن التحولات الإقليمية والدولية التي يشهدها العالم، الذي أصبح عبارة عن قرية صغيرة، في ظل العولمة والثورة التكنولوجية والمعلوماتية الكاسحة، والتي واكبها ظهور الجريمة الإلكترونية "سبيرنتيك".
وقد تزداد خطورة الجرائم الاقتصادية والمالية في المغرب، بالنظر إلى موقعه الجيو–استراتيجي، المتاخم للشريط الجنوبي لأوروبا، والممتد على طول الشمال–الغربي لإفريقيا، والمتصل في عمقه بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى. ما يجعله عرضة لمخاطر مرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وتقاطعاتها العضوية مع الظاهرة الإرهابية. ناهيك عن كون المحيط الإقليمي الراهن، الموسوم بالمتغيرات السياسية والأمنية في عدد من دول الجوار، وكذا، في بعض دول الشرق الأوسط، مفتوحا على التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، المتصلة بشكل مباشر بالأمن الاستراتيجي للمملكة المغربية.
فالجرائم الاقتصادية والمالية ذات الأثر البليغ على التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية في المغرب، تنطوي على مخاطر على الأمن العامين في البلاد. ما قد ينجم مثلا عن تبييض الأموال المتحصلة عن المخدرات، أو تخصيص المال "القذر" لدعم الإرهاب والجماعات الإرهابية، التي لم يعد في منأى عن ويلاتها، العالم بأسره والذي أضحى بسببها، من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أقصى غربه إلى أقصى شرقه، يعيش فوق فوهة بركان.
فمقابل التطور المضطرد للجرائم الاقتصادية والمالية، ثمة للأسف جمود في النصوص الجنائية التي لم تعد تساير العصر والظرفية، وتساهل في زجر الجريمة وردع مرتكبيها، وغياب قانون حماية الشهود على الرشوة والمبلغين عنها، وعدم تفعيل الآليات القانونية الكفيلة باسترجاع الأموال المنهوبة، من قبيل الحجز على الممتلكات، وكذا، عدم التفعيل السليم ل"التصريح بالممتلكات"، ولمبدأ "من أين لك هذا؟"، في خرق لروح القانون الذي ينص في أولى أبجدياته، على أن "القاعدة القانونية عامة ومجردة"، ما يعني أنه يتوجب تطبيق القانون ب"العدل" على الجميع وفي جميع الحالات المماثلة، دون تقصير أو استثناءات. فالجميع متساوون كأسنان المشط في دولة الحق، التي يبقى قيامها رهين بمدى تطبيق القانون على الوجه الأصح والسليم.
هذا، وقد دقت المديرية العامة للأمن الوطني ناقوس الخطر، بتنظيمها مناظرتين وطنيتين "نوعيتين" تحت عنواني: "الجرائم الاقتصادية والمالية: رهانات وتحديات"، و"الذكاء الاقتصادي: مقاربة ثقافية جديدة من أجل عالم مطبوع بالتحولات"، بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، على التوالي الخميس والجمعة 25-26 شتنبر 2014، والأربعاء والخميس 17-18 دحنبر 2014. إذ كان لمديرية الأمن السبق في إثارة هذه مواضيع الساعة هذه، وعرضها للتفكير والنقاش أمام ثلة من المفكرين والمثقفين والأساتذة، والمسؤولين المركزيين ومدراء مديريات الأمن الوطني، ورؤساء الفرق الولائية والمصالح الإقليمية للشرطة القضائية والاستعلامات العامة لدى المصالح الأمنية اللاممركزة، والقيادة العليا للدرك الملكي، والقطاعات الحكومية المعنية، وكذا، هيئات المجتمع المدني، تفعيلا للمقاربة المديرية ثلاثية المحاور، التي حثت على الانفتاح على المجتمع المدني، والصحافة والإعلام، باعتبارهم فاعلين وشركاء في "الشأن الأمني"، الذي هو "إنتاج مشترك".
وقد جاء تنظيم المناظرتين الوطنيتين حول الذكاء الاقتصادي والجرائم الاقتصادية، الني تكتسي أهمية بالغة، بحكم تأثيرها الكبير على المجتمعات، ومدى تضررها اللامحدود جراء ذلك، (جاء) وعيا من المديرية العامة للأمن الوطني بخطورة جرائم الفساد المالي؛ وأهمية مكافحتها والتصدي لها بالطرق القانونية المتاحة، وبالكفاءات البشرية والمصالح الأمنية المؤهلة؛ وتماشيا مع الاستراتيجية المديرية التي وضعتها؛ واستنادا إلى مضامين الخطاب السامي الذي وجهه الملك محمد السادس، في 20 غشت 2014، إلى الشعب المغربي، بمناسبة الذكرى ال61 لثورة الملك والشعب، وكذا، استحضارا للرسالة السامية التي كان جلالته وجهها إلى المشاركين في المؤتمر الرابع لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
هذا، وقد جاء في هذه الرسالة الملكية التي استعرض مضامينها في مداخلته، بدر عبد الحفيظ عفيف، باشا لدى ديوان الوالي المفتش العام بوزارة الداخلية، أن مسألة مكافحة الفساد أضحت في مقدمة الانشغالات الملحة للمواطنين، ذلك أن آفة الرشوة التي هي مظهر فقط من مظاهر الجريمة الاقتصادية والمالية، لم تعد اليوم مجرد مشكلة داخلية لهذا البلد أو تلك المنطقة، بل أصبحت معضلة ذات أبعاد دولية، وهنا إشارة إلى أنها تتقاسم وتتشابك مع مجموعة من الجرائم الاقتصادية، متداخلة مع عدة جرائم عابرة للحدود، ساهمت العولمة والتقدم التكنولوجي في تعقد أنماطها وأشكالها.
هذا، فإن المديرية العامة للأمن الوطني لم تدخر جهدا لمكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية، من خلال تخصيص 61 فرقة اقتصادية ومالية، تابعة للمصالح الأمنية اللاممركزة. ناهيك عن إحداث 4 فرق جهوية للشرطة القضائية، بكل من الرباط، الدارالبيضاء، فاس ومراكش. جاءت لتنضاف إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، المعروفة اختصارا ب"BNPJ"، وكذا، لتعزز ترسانة الإجراءات العملية، والأساليب الأمنية المتطورة، التي اعتمدتها المديرية العامة في مواجهة الجرائم المرتبطة بالفساد المالي، والتي تطورت بشكل مقلق، بات يهدد الاقتصاد والتنمية في المغرب.
وبالمناسبة، فقد أبانت السلطات الأمنية نجاعة في التصدي للجرائم الاقتصادية والمالية. وهذا ما يستشف بالواضح والملموس من المساطر القضائية "النوعية"، التي أنجزتها الضابطة القضائية، في إطار البحث التمهيدي، أو بمقتضى حالة التلبس. مساطر أحالتها على النيابة العامة المختصة، وأسفرت أحيانا عن إدانات وإصدار أحكام سالبة للحرية "مخففة"، لم تكن لترق إلى حجم الأفعال الجرمية المرتكبة، وإلى حجم الأضرار المادية والمالية الجسيمة التي ترتبت عنها، والتي لحقت بالأشخاص، ذاتيين كانوا أو معنويين، ومن ثمة باقتصاد المغرب، وبالتنمية المنشودة.
فالضابطة القضائية دورها في سلسلة "la machine judiciaire" محدد، واختصاصاتها وصلاحياتها محدودة ومقيدة، يخولها لها قانون المسطرة الجنائية.، ويسهر الوكلاء العامون للملك، ووكلاء الملك، على تنفيذها، طبقا لتعليمات نيابية غير مكتوبة، غالبا ما تكون "شفاهية"، أو عبر الهاتف، باعتبارهم رؤساء قضائيين مباشرين للضابطة القضائية، ولكل من يحمل هذه الصفة، من الأمن الوطني والدرك الملكي، والموظفين العموميين الذين نصت عليهم مقتضيات قانون المسطرة الجنائية.
هذا، فإذا كانت المسألة الأمنية تعتبر "إنتاجا مشتركا"، ومن ثمة "شأنا عاما" تنخرط فيه مختلف فعاليات وحساسيات المجتمع، بغية تحقيق الأمن والنظام العامين، فإن الوقاية من الفساد المالي ومكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية ذات الأثر البليغ على التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية تبقى رهينة بمدى الاستجابة والانخراط الفعلي والفعال لجميع المتدخلين المنتسبين للقطاعات الحكومية المعنية (المجلس الأعلى للحسابات، والمجالس الجهوية التابعة له، ومحكمة جرائم المال، ومحاكم الدرجة الأولى والثانية ...)، كل من موقع مسؤولياته، في تفعيل اختصاصاتهم وصلاحياتهم الدستورية والقانونية، بما يلزم من حزم وصرامة. كما أن دور المجتمع المدني والذي لا يقل أهمية، يعتبر حاسما في التوعية والتحسيس بمخاطر هذه الجرائم "النوعية"، وفي طليعتها آفة الرشوة التي هي مطهر من مظاهر الفساد الذي ينخر في صمت، جسم الإدارة والمجتمع المغربيين.

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.