آخر الأخبار

الكلاوي.. المغربي الذي مارس الغولف على مضض

يونس جنوحي نشر بجريدة الاخبار
«بدأ الغولف رياضة دخيلة بطنجة، قبل أن يصبح رياضة ملكية بامتياز. أحبها الملك الراحل الحسن الثاني، وأحبها معه الذين جروا خلفه لاهثين. قلده آخرون حاولوا جعلها رياضتهم الأولى بعد أن جاءوا من هامش الحياة لا يتقنون إلا كرة القدم في الأزقة الضيقة. ارتبطت رياضة الغولف بأحداث كثيرة، جرى في ملعبها الجميع، واستقر كثيرون في بعض تلك الحفر».

عندما أصبح الغولف رياضة ملكية وأدخلت عليه طقوس «المخزن»
للغولف حكاية قديمة بالمغرب، انطلقت بمدينة طنجة سنة 1914، رسميا بتأسيس النادي الملكي للغولف، واليوم تمر 100 سنة على ذلك التاريخ.
حتى إذا كانت اللعبة قد دخلت المغرب منذ وقت بعيد، إلا أنها لم تكن بالقيمة التي أصبحت عليها إلا مع الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الذي جعل منها الرياضة الأكثر أهمية في المغرب، لترتبط أرض ملعب الغولف، سواء بالرباط أو الدار البيضاء، بأحداث تاريخية شكلت منعطفات حاسمة في تاريخ المغرب، وكذا مرتعا خصبا للدسائس. «رياضة الكبار» كما يحلو للكثيرين تسميتها، كانت الفضاء الأخضر الوحيد الذي يتسع لاستيعاب السياسة والسياسيين.
بالنسبة للحسن الثاني، فإن أحداث كثيرة ارتبطت لديه بلعبة الغولف، التي كان يجيدها أكثر من غيرها. واضطر الكثير من أتباعه أن يتعلموا أصول اللعبة والمشي فوق عشبها، الذي يقال إن الحسن الثاني كان صاحب فضل كبير في تطوير نوعية العشب المستعمل كأرضية للغولف، وأن هناك صنفا معترفا عالميا بجودته، يُنسب فضل اكتشافه إلى الملك الراحل.
الطقوس المخزنية لم تفارق سماء الغولف ولا أرضه، حتى لو كانت اللعبة تحمل وجه الحداثة الأوروبية في أوج اختراقها للمغرب. وهكذا كانت للحسن الثاني طقوس خاصة أثناء لعب الغولف، إذ لا يلعب الملوك تلك اللعبة كما لعبها ويلعبها الناس العاديون. بالنسبة للحسن الثاني فقد كان يحيط به الكثير من الخدم والحشم أثناء ممارسته للعبة، لكل مهمة خاصة يسارع إلى القيام بها كلما استدعت الضرورة.
لعبة الغولف تقوم على تحقيق السيادة لممارسها، حتى في أوربا، إذ يكون اللاعب متحررا من كل شيء، ويتكلف عامل خاص بالعمل على راحة اللاعب وأغراض اللعب، لكن الحسن الثاني أدخل الطقوس المخزنية على لعبة الغولف، لتصبح ملكية بامتياز وكأنها خارجة من رحم القصر الملكي.
البداية الأولى للعبة الغولف بالمغرب، كانت قبل 1914، رغم أن النادي الملكي للغولف تأسس في تلك السنة، إلا أن بعض الإشارات التاريخية، تحيل إلى أن الأوروبيين، خصوصا منهم الإنجليز، قد فكروا في ممارسة لعبة الغولف في طنجة فور وصولهم إليها، وازدياد أعداد الجالية الأوروبية بالمدينة.
المولى عبد الحفيظ، وقبله المولى عبد العزيز، وجدا نفسيهما سلطانين غير مرغوب فيهما بالمغرب، وقد توجه كل واحد منهما، في فترات متفاوتة عبر الزمن، إلى طنجة قبل أن يختارا أن يقيما خارج المغرب.
بالنسبة للمولى عبد العزيز، فقد تجول مع عدد من الأوروبيين في طنجة، التي كانت وقتها مدينة دولية، وعرضوا عليه مساحات خضراء يلعبون فيها الغولف، قبل أن يتأسس الغولف الملكي بسنوات قليلة، وأعجب كثيرا باللعبة التي رآها مرات كثيرة في ملاعب خاصة في فرنسا التي زارها عندما أصبح المولى عبد الحفيظ ملكا للمغرب.
فرار المولى عبد العزيز إلى طنجة، أحاطت به الكثير من الدراما التي صاحبت رجلا علويا مغضوبا عليه من طرف الجميع، إلا بعض العلماء الذين تعاطفوا معه، ووجد في بعض الأوروبيين سندا قويا، ساعدوه على تخطي المرارة التي شعر بها بعد أن فقد العرش رغم أن ثلة من أتباعه لا زالوا يقاتلون باسمه في فاس ومكناس، في محاولة لإعادة الهيبة للسلطان الذي خرج إلى طنجة.
بالنسبة للمولى عبد الحفيظ، فقد أقام هو الآخر في طنجة لفترة قصيرة، ولا تزال الفيلا الصغيرة التي كان يقطن بها، قائمة في أحد الشوارع التي تقود إلى أعلى مرتفع في طنجة، حيث الإطلالة الفريدة على البحر الأبيض المتوسط والبوابة الأوروبية.
المولى عبد الحفيظ، كان قد زار هو الآخر ملعب الغولف بطنجة رفقة أصدقائه من الأوروبيين الذين التفوا حوله فور قدومه إلى طنجة بعد معاهدة الحماية بفترة لم تكن قصيرة، وإنما كافية لكي يصبح عرشه مهددا، بعد الغضب العارم من قبوله توقيع معاهدة الحماية.
كان وقتها الغولف الملكي بطنجة قد تأسس، وجل الوافدين عليه من الأوروبيين الذين جاءوا إلى المغرب من أجل التجارة وليس من أجل السياسة. السياسيون كانوا يديرون الأمور عسكريا من فرنسا أو عن طريق رجالهم في الدار البيضاء، بينما التجار والراغبون في وضع قدم الربح في المغرب وتوسيع مجال نفوذهم التجاري، فضلوا الإقامة في طنجة، المنطقة الدولية، التي تشكل مركزا لزبدة المجتمع الأوروبي، وكان ملعب الغولف بها، نقطة التقاء الجميع.
المولى عبد الحفيظ لم يكن ماهرا في لعبة الغولف، لكنه كان يجد نفسه متجولا في أرض الملعب الذي يتربع على كيلومترات من الأراضي المنبسطة، التي لم تكن طنجة حافلة بها. وهكذا كان السلطان العلوي مجبرا على حضور اللعبة للتعرف على المزيد من الأوروبيين، ويقرر الاستقرار في فرنسا لفترة طويلة، شأنه شأن أخيه المولى عبد العزيز.
على خطى الملكين، سار الباشا الكلاوي أيضا، وهو رجل القبيلة القوي الذي حارب المولى عبد العزيز لأنه صديق النصارى، ليصبح هو نفسه أكثر الناس صداقة لهم، ويلعب معهم الغولف كطقس لا بد من لتمتين العلاقات.
من هنا جاءت قوة لعبة الغولف، لأن الذين لعبوها خارج المغرب، وجاءوا بها إليه، لم يكونوا أناسا عاديين، وإنما علية القوم وأصحاب القرار في السياسة كما في الاقتصاد.
لكن الغولف المغربي، لم يعرف تطورا إلا عندما حمل الحسن الثاني عصا الغولف، وخطا خطواته الأولى على العشب، ليتقرر بعدها أن يصبح الغولف رياضة الملك المفضلة، رغم أن هناك قصصا ورويات كثيرة عن شغف الملك بالكرة. إلا أن الغولف بالنسبة للحسن الثاني ظل ملعبا زاوج فيه الملك بين العمل وأوقات الفراغ.
يروي الكثيرون أن الملك الراحل في غضبته على رجال الدولة والمسؤولين الكبار والوزراء، كان يجبرهم جميعا على الهرولة خلفه وهو يلعب الغولف لإتمام حديث بدأوه معه أو سرد التبريرات على مسامعه.
حتى إدريس البصري، في أوجه قوته كوزير للداخلية، كان لا يتردد في جعل الذين يلهثون خلفه للفوز بالقرب من وزير الداخلية، ينتظرون بالساعات إلى أن ينهي لعبته. وإذا كان إدريس البصري قد ظهر أكثر من مرة يتبع الملك الحسن الثاني في ملعب الغولف، حاملا الملفات الثقيلة، «مقجوجا» بربطة العنق، في حين أن الملك يرتدي بدلة الغولف، طالقا بصره في الفضاء الأخضر بحثا عن الكرة، فإن البصري ومعه باقي المسؤولين كانوا يحاولون تقليد الملك الراحل في لعبه للغولف.
بداية إدريس البصري وعدد كبير من الوزراء الأقوياء في تاريخ مملكة الحسن الثاني، كانت من هامش الحياة، حيث كانت كرة القدم الرياضة الوحيدة التي مارسوها في شوارع مدنهم المنسية، قبل أن يتسلقوا سلالم المسؤولية، ويصبحوا إلى جوار الحسن الثاني، ويتقلبوا في الوزارات والمناصب السامية، ويستبدلوا كل شيء بعصا أنيقة للغولف، وعامل يجر خلفهم عربة من العصي والكرات..
كيف دخل الغولف إلى المغرب؟ الجواب أنه دخل بالطريقة نفسها التي دخلت بها طموحات كبيرة للفرنسيين والبريطانيين للتحكم في البلاد، لتتحول مجريات التاريخ إلى أمور أخرى، لعب فيها المغاربة أدوارا كبيرة في رسم ملامح مغرب آخر، تحولت معه رياضة الغولف إلى أكثر من رياضة، إلى بريستيج يجب على كل ملاحق للطموحات التي لا تنتهي، أن يتقن تسديد كرة بيضاء نحو عدد كبير من الحفر.


الكلاوي.. المغربي الذي مارس الغولف على مضض
مع أنه بسط نفوذه في مراكش، إلا أن الباشا الكلاوي كان حريصا على عيش حياة أوروبية جعلت منه أكثر الأسماء الكبيرة في المغرب تعلقا بالحياة العصرية.
كسب الباشا الكلاوي صداقات واسعة، خاصة مع البريطانيين، وتبادل معهم هدايا ومعايدات حتى في أعيادهم الدينية. شاركهم أكثر طقوسهم حميمية، وأكرم وفادتهم عندما زاروه في المغرب. صادق منهم رجال الأعمال والسياسيين أيضا، وبلغت علاقته بهم أوجها، عندما له وجه تشرشل دعوة حضور تنصيب الملكة في ذكرى العرش. هذه العلاقة بين الباشا الكلاوي والأوروبيين عموما، لم تأت من فراغ. وربما مواقفه السياسية ومصالحه حكمت بضرورة فتح علاقات معه ومصادقته.
الكلاوي، لعب الغولف، وارتدى بدلة اللعبة ومشى أيضا فوق البساط الأخضر ليلاحق الكرة البيضاء في رحلتها بين الحفر.



أين لعب الباشا الكلاوي الغولف أول مرة؟
أحد المصادر المقربة من عائلة الكلاوي، يقول إنه حل ضيفا على أحد الأوروبيين في الرباط، وعرض عليه الكلاوي أن يزوره في إقامته الواسعة بنواحي مراكش، فقبل الأوروبي بسرعة ليلبي الدعوة بعد ذلك بأيام قليلة فقط، وكأنه كان ينتظر دعوة الكلاوي له.
أول ملاحظة لاحظها الأوروبي الذي زار إقامة الكلاوي وحدائقها الفاخرة، أن هناك الكثير من المساحات الضائعة، لا يستغلها الكلاوي في شيء، لتتحول إلى مرتع خصب للأبقار. لم يخطر ببال الكلاوي أن يؤسس ملعبا للغولف، لكنه وجد نفسه يمارس اللعبة حتى يكون اجتماعيا بدرجة متقدمة في علاقته مع الأوروبيين. «مارسها بدون شغف يذكر» هي الملاحظة التي سجلها المصدر السابق، وكأن الغولف بالنسبة للباشا الكلاوي، كان طقسا يساعد على توفير جو أكثر راحة للتواصل، ونوعا من البريستيج، الذي لا يختلف في شيء عن ركوب السيارة ومشاهدة العروض المسرحية في المساءات الباريسية. في أوروبا لعب الباشا الكلاوي الغولف، وعندما عاد إلى المغرب، مارس اللعبة في أوقات متفرقة رفقة الأوروبيين من أصدقائه، سواء البريطانيين منهم، أو الفرنسيين.



الغولف.. الذي سبق العاصفة
قبل انقلاب الصخيرات في العام 1971، كان الجنرال المذبوح قد حذر الملك الحسن الثاني أكثر من مرة من الفساد الذي تورط فيه بعض الوزراء المغاربة في حكومة نهاية الستينات.
علم الجنرال المذبوح بالأمر عندما كان في زيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان الجنرال بالإضافة إلى رتبته العسكرية، يجمع بين يديه أيضا مسؤولية الإشراف على إحدى الفرق الرياضية التي تألقت في المنافسات التي احتضنتها أمريكا في بداية السبعينات.
من يومها والجنرال المذبوح، يحاول أن يفاتح الملك الحسن الثاني في قضية تورط وزراء ومسؤولين مغاربة في قضية عرقلة استثمار أمريكي في مجال الفنادق المصنفة والمعروفة عالميا.
الفرصة الذهبية بدت للجنرال المذبوح في ملعب الغولف، وفاتح الحسن الثاني في الموضوع، ووعده أن يتدخل، وعاود الجنرال الكرة مرة أخرى، لكنه لم يستطع أن يصبر كما صبر الحسن الثاني، وأصبح يردد على مسامع بعض المسؤولين المغاربة، أن فساد المسؤولين والوزراء بالمغرب لم يعد يحتمل أن يسكت عنه لمزيد من الوقت. كان المذبوح يكره السياسيين، لكن ملاعب الغولف كانت تجمعه بهم، لأن الملك الراحل الحسن الثاني كان يفضل لعب الغولف بصفة منتظمة خلال أيام متفرقة من الأسبوع، وهناك يلتقي المسؤولين العسكريين والسياسيين على حد السواء. اجتماع الأضداد كان يتم في ملعب الغولف، ومنه انطلقت حزازات كبيرة..
وحسب الروايات التي رواها من كانوا حاضرين في قصر الصخيرات فإن بعض الحاضرين من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، كانوا منهمكين في لعب الغولف، أو أنهوا للتو جولات موفقة من اللعب قبل أن ينقلب كل شيء، وكأن الانقلاب بدأ في الغولف وانتهى فيه.
بدأ في الغولف عندما أسر الجنرال المذبوح إلى الحسن الثاني بأمر شكوى الأمريكيين الذين قابلهم في زيارته الأخيرة إلى أمريكا، من طلب الرشاوى التي لا يتردد بعض المسؤولين المغاربة في طلبها، وانتهى في الغولف، بعد أن خطط المذبوح مع الكولونيل اعبابو، لضرب قصر الصخيرات بقوة عسكرية، داست على عشب ملعب الغولف قبل أن تنشر الفوضى في جنبات القصر وبين الحاضرين.
بالنسبة لرجل مثل الجنرال المذبوح فإن الفساد المالي والسياسي قرين بلعبة الغولف. وفي كتاب ابن البشير البوهالي، باللغة الفرنسية، والذي يتحدث فيه عن الدور الذي لعبه والده الجنرال في إيقاف انقلاب الصخيرات، يبدو كيف أن المذبوح كان يكره السياسيين وكل ما يمت إليهم بصلة، لأن أغلبهم كانوا متورطين في قضايا نفوذ واستثمارات لا يؤدون ضرائبها للدولة، بالإضافة إلى علاقاتهم برجال الأعمال الأمريكيين الذين اختاروا المغرب بداية السبعينات كوجهة للاستثمار ليجدوا أنفسهم مطالبين بدفع رشاوى لأولئك المسؤولين، الذين كانوا يطلبونها عادة فوق عشب ملاعب الغولف.
يأتي في كتاب البوهالي: «الحظوة التي أصبح يتميز بها العسكر في المملكة، بعد وضع دستور جديد، سنة قبل الانقلاب، جعلت تكوين عسكريين على أعلى مستوى أمرا لا بد منه. لذلك أنشئت مدرسة أهرمومو، ولذلك تم تعيين محمد المذبوح على رأسها. لكن الرجل كان له رأي آخر.
من جهة أخرى كانت البلاد تغرق في الفساد السياسي والمالي. كبار المسؤولين يعيثون فسادا في المؤسسات المالية الكبرى للبلاد. المذبوح حاول إثارة انتباه الملك إلى ما يجري، لكنه لم يكن مقنعا. قال للمقربين منه، ليقنعهم بفكرة الانقلاب، إنه يريد إرجاع الأمور إلى نصابها..
بالنسبة للمذبوح، لم تكن المتابعة القضائية لما عرف آنذاك بقضية «بان آم» كافية. وبقي الرجل محاطا بخيبة أمل كبيرة لأنه أثار استشراء الفساد المالي في الدولة، وتوقع أن تكون ضربة الملك أكبر من تفعيل المتابعة القضائية. الرجل العسكري الذي كان يتملكه كان يطمح إلى ما فوق القانون.. المتابعة القضائية وحدها لم تكن كافية. ما زاد طين المذبوح بلة، أنه بقي حائرا في قضايا أخرى من بينها مشروع إنشاء المؤسسة الأمريكية «جنرال تاير» وتصدير الحديد والرصاص والمنغنزيوم وغيرها من المواد الأولية التي كان يحيط بعملية تصديرها كثير من الغموض. ومشروع ضخم بالناظور، ناهيك عن شراكات بين الدولة وشركات أجنبية، أحاطت بصفقاتها رائحة الفساد التي كان ورائها مسؤولون كبار في الدولة».
كل هذه أمور أرقت المذبوح، ويذكر البوهالي في كتابه أن المذبوح كان يبحث في آثار مسؤولين كبار في الدولة ويفتح تحقيقات سرية ويطرح أسئلة كثيرة وفرضيات أكثر.



وشاية تورط الدليمي مع المخابرات
دون أن يتوقف الحسن الثاني عن المشي فوق البساط الأخضر لملعب الغولف الملكي، كان الرئيس الفرنسي ميتيران يتابع خطوات الملك الراحل وضرباته مرسلا الكرة إلى حيث يجب لها أن تستقر. وقتها كان السياسي الفرنسي الأول، يبحث عن أنسب طريقة لإبلاغ الملك الراحل أن رجله القوي، الجنرال الدليمي، قد أساء إلى رجال المخابرات الفرنسية.
قصة الجنرال الدليمي واحدة من أكثر قصص موت الكبار غموضا في تاريخ المغرب، وكان لفضاء الغولف دور كبير في حياة الجنرال الدليمي وعلاقته بالملك الراحل الحسن الثاني. بالرجوع إلى تلك الأحداث الأخيرة التي سبقت موت الجنرال بأيام قلائل، فإن اللقاء الذي تم بين الملك الحسن الثاني والرئيس الفرنسي ميتيران، كان في ملعب الغولف، وفيه، حسب الرواية التي تداولتها الصحافة الفرنسية في ذلك الوقت، همس الرئيس الفرنسي في أذن الحسن الثاني لينقل إليه آخر مستجدات تحريات المخابرات الفرنسية، والتي كانت تتوجس من الدليمي، إلى حد أصبحت شكوكها فيه «حقيقة» يجب أن يبلغ بها الملك الذي عين ذلك الجنرال في منصبه ومنحه كل تلك الصلاحيات.
بعض المصادر أكدت تورط المخابرات الفرنسية والأمريكية في مقتل الجنرال الدليمي. وفي زيارة الرئيس الفرنسي ميتران، وهو الذي حل حديثا بقصر الإليزيه، إلى المغرب، رجحت الصحافة الأجنبية أن يكون الرجل قد أسر إلى الحسن الثاني باللقاءات التي كان الدليمي يعقدها على أرضها واشتباهها في مضمون تلك اللقاءات والغرض منها. فهم الحسن الثاني ربما أن الدليمي يحيك أمورا دون علم الملك. في نفس الوقت كانت المخابرات الأمريكية تطوق الدليمي وتقترب أكثر من رأسه، وهو ما اتضح بعد سنوات طويلة، كُشف فيها ضمن وثائق سرية عن أكبر الأسماء التي كانت المخابرات الأمريكية تطلب رأسها، وكان الدليمي على رأس اللائحة. الذين عاصروا تلك الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي، فهموا أن هناك أمرا مهما أراد ميتيران إبلاغه للحسن الثاني بعيدا عن الرسميات والبرقيات وأصول المراسلة، واغتنم فرصة لعب الملك الحسن الثاني للغولف، ليرسل إليه إشارة قوية مفادها أن الرجل الأقوى في مملكته، يعد لأمر خطير.
بعد زيارة الرئيس الفرنسي، وأوج تعقب الاستخبارات الأمريكية، لم يعد اسم الدليمي موجودا. أصبح ذكرى فقط. في ليلة 23 من يناير عام 1983، كان الحسن الثاني متوجها بنفسه إلى فيلا الجنرال الوحيد في المملكة، لتعزية أسرته في فقد رجل حامت حوله شكوك في آخر أيامه، رغم أنه كان أخلص رجل للملك الراحل. بث الإعلام الرسمي بلاغا رسميا مفاده أن الدليمي توفي في حادثة سير بعد أن دهست سيارته شاحنة مسرعة. فارق الجنرال الحياة على إثر الاصدام القوي، وارتمى جسمه خارج السيارة التي تحولت إلى عجينة معدنية، لتنتهي حياة رجل تسلق سلم العسكر والأمن، وأزاح من أمامه أسماء كبيرة ثقيلة ثقل تاريخ مرحلة بأكملها، وتربع على عرش المفاوضات في واحد من أخطر وأهم الملفات بالبلاد، والاخطر أن رأسه كان مطلوبا من طرف أقوى أجهة الاستخبارات العالمية.
الدليمي كان يخطط لأمر ما ويجب أن يتم إيقافه، خصوصا وأن المخابرات تشتبه في محاولته لقلب النظام وقيادة المفاوضات مع الجزائر بطريقته الخاصة. ماضي الرجل من خلال  تورطه في قضية بن بركة وحضوره إلى جانب الملك في الانقلابات وتكوينه النفسي والتاريخي كلها أمور تجعله غير بعيد عن التفكير بتسلم السلطة وقيادة قضية الصحراء حسب ما يراه مناسبا.
بالرجوع إلى حياة الملك الحسن الثاني وعلاقته بالجنرال الدليمي، فإن الغولف لعب دورا كبيرا في رسم ملامحها، وشوهد الدليمي مرات كثيرة يتبع الحسن الثاني وسط فضاء الغولف الأخضر، حاملا معه الملفات الثقيلة ليبلغ الملك الحسن الثاني بآخر المستجدات في قضية الصحراء، لتصبح لعبة الغولف أكبر من لعبة في حياة الملك الراحل، وهذا ما سنكتشفه في قصة الملك مع مستشاره عبد الهادي بوطالب.



رضا اكديرة.. لاعب الغولف الذي يكره العسكريين
يميل إلى نسق الحياة الأوروبية على الطريقة الأمريكية. ولأنه كان أكثر تحررا من أغلب الذين كانوا يحيطون بالملك الحسن الثاني، ويرهبه الكثيرون لأنه كان يحمل صفة صديق الملك، قبل أن تبعده عنه «دسائس القصور» كما يحلو للمستشار الملكي عبد الهادي بوطالب أن يسميها، والذي أبعدته دسائس القصور بدوره عن الملك لسنوات قبل أن يعود إلى جانبه مستشارا ملكيا ويتشارك مع رضا اكديرة في نفس المصير.
رضا اكديرة كان يلعب الغولف، شأنه شأن أغلب المحيطين بالملك الراحل. لكن طقس لعب الملك الحسن الثاني كان يستوجب عليهم جميعا أن يعتزلوا اللعبة إلى أن يفرغ جلالته من اللعب. هكذا كان يتبع أغلب المقربين من الملك، خطواته فوق البساط الأخضر، وهو الذي كان لا يكف عن الحديث إلى المحيطين به، خصوصا عندما يكون في غمرة اللعبة.
اكديرة، كما يروي الكثيرون ممن حضروا مرافقته للملك أثناء اللعب، كان يستغل فرص انشراح الملك الراحل أثناء لعب الغولف، ليفاتحه في أغلب المواضيع الحساسة التي يمكن أن تثير غضبة الملك في الأوقات العادية. لذلك لم يكن تحول أحمد رضا اكديرة إلى مستشار ملكي خطوة قادمة من فراغ، وإنما عن خبرة كبيرة راكمها في تعامله مع الملك.
حتى في العداوات التي تجري في الكواليس، كان اكديرة، شأنه شأن الكثيرين، يختار موعد لعب الغولف لتمرير الرسائل، وإبداء الملاحظات على شكل إشارات يلتقطها الحسن الثاني في كثير من المناسبات.
في مذكراته، يروي المحجوبي أحرضان، كيف أن أحمد رضا اكديرة، كان يريد مرة أن يلفت انتباه الحسن الثاني، إلى أن وزير الداخلية إدريس البصري قد يتحول إلى نموذج للجنرال أوفقير في إشارة إلى قوة البصري وتحكمه الكبير في دهاليز وزارة الداخلية، لكن الحسن الثاني كان صافي الذهن في غمرة انشغاله بلعب الغولف، ورغم ذلك لم يفته أن «يطمئن» اكديرة ويرسل رسالة خفية إلى جميع الذين حضروا ذلك اللقاء، في إشارة إلى أن البصري أكثر من يحظى بثقة الحسن الثاني.
قبل هذه الحادثة بسنوات، كان أحمد رضا اكديرة بعيدا عن المحيط الملكي بعد أن كان أحد الأسماء الأكثر حضورا فيه، بل أكثر نفوذا من الزعماء السياسيين أنفسهم، لتأتي «حالة الاستثناء» وتبعد اكديرة عن محيط الملك نظرا لموقفه الرافض لسياسة الملك الذي قرر حل البرلمان وإيقاف الحياة السياسية بالمغرب لسنوات. هذه القطيعة أبعدت اكديرة عن الغولف أيضا، ويفهم المحيطون بالملك أن حضور لعبة الغولف معيار أساسي لرضى الملك عن المحيطين به. الحاضر أثناء لعب الملك للغولف يكون مرضيا عليه، بينما المغضوب عليهم، مبعدون عن البساط الأخضر حتى حين.



عندما طلب الحسن الثاني من عبد الهادي بوطالب تعلم «الغولف» من أجل قضية الصحراء
جميع الذين عملوا عن قرب مع عبد الهادي بوطالب، علموا أن الملك الحسن الثاني كان يختاره دائما للمهمات الصعبة. في آخر أيامه، ظهر عبد الهادي بوطالب بمظهر الرجل الحكيم، المنتمي إلى المدرسة التقليدية في الحكم والممارسة السياسية، في الداخل كما في الخارج. ربما يعود أصل هذا الانطباع إلى طبيعة العلاقة التي كانت تجمع الملك الحسن الثاني بعبد الهادي بوطالب عندما كان وليا للعهد، تلميذا بالمدرسة المولوية، ويكون عبد الهادي بوطالب رفيقا وأستاذا له في نفس الوقت.
علاقة عبد الهادي بوطالب بالغولف، بدأت بعدما تعلم اللغة الإنجليزية. وكان العالم حينها يعيش على إيقاع تبعات حمى الحرب «الباردة» بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية.
قبل المسيرة الخضراء بسنة تقريبا، كان الملك الحسن الثاني يبحث عن رجل يعده ليضطلع بمهمة تحسين علاقات المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وحشدها إلى صف المغرب في قضية الصحراء. وعندما علم الملك أن عبد الهادي بوطالب تلقى وقتها دروسا في اللغة الإنجليزية، وكان متقدما في العمر، اختار أن يفاتحه في موضوع السفر إلى أمريكا ولقاء مسؤوليها الكبار والعمل على التواصل معهم لكسب موقف أقوى دولة في العالم إلى جانب المغرب في قضية وحدته الترابية. كما أن الحسن الثاني أخبره أنه يعد لأمر مهم، بطريقة مبتكرة لحل قضية الصحراء وتخليصها من الاستعمار الإسباني، طريقة لم يسبقه إليها أحد. لم ينطلق الحسن الثاني كلمة «المسيرة الخضراء» لكنه طلب من بوطالب أن يعمل على فتح التواصل مع المسؤولين الأمريكيين في هذا الباب. وهنا يبرز من جديد ولع الحسن الثاني بلعبة الغولف، إذ كان أول توجيه ملكي لعبد الهادي بوطالب، هو تعلم لعبة
الغولف.
بهذا الخصوص يقول عبد الهادي بوطالب، إن الحسن الثاني طلب منه تعلم لعبة الغولف، لأنها رياضة السياسيين الأمريكيين، وبتعلمها يكون قد قطع نصف الطريق للتواصل معهم بأريحية أكبر.
سافر عبد الهادي بوطالب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وقابل هناك كبار المسؤولين في الخارجية الأمريكية وكبار سياسيي البيت الأبيض، ولم يكن يومه ليخلو من حصة مشي على البساط الأخضر في ملاعب الغولف بالعاصمة الأمريكية واشنطن، تماما كما تمشى فوق بساط شبيه به في الغولف الملكي بالرباط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جديد اليوم | الاخبار على مدار الساعة Designed by Templateism.com Copyright © 2016

صور النموذج بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.